أحمد فارس الشدياق

300

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

فلتير يمدح التجارة قلت ومدح فلتير التجارة ليس قدحا في العلوم والمعارف ، وإنما هو تحريض على اتساع دائرة التمدن ، وشتان ما بين تجار الفرنسيس وبين تجار البلاد المشرقية ، فإن هؤلاء لا يحسنون الكلام إلا في المكيول والموزون ، ولا يعرفون أن يكتبوا سطرا واحدا من دون غلط ، فهذه الحال ينكرها فلتير وكل ذي ذوق سليم . منشستر بين القديم والحديث ثم إن منشستر هذه كانت في القديم مقاما للدرويدس ، وكان لهم فيها هيكل ومذبح قيل له باللغة القديمة « ميين » أي حجر ، وصارت قبل الميلاد مقرا للهمج ) « 246 » فبنوا فيها قلعة سميت « منسنيون » أي مضرب الخيام ، ثم تصفحت على المتأخرين فقالوا للمدينة منشستر . وهؤلاء الدرويدس كانوا في القديم كهان جرمانيا وفرنسا وبريتانيا وحكماءهم ، وكانوا في هذه الأخيرة ينتخبون من أكرم العيال ، فكانوا يشتغلون بالعلوم ومعرفة الفرائض الدينية ، ويعبرون كلام الآلهة ، ويفصلون الدعاوي الخطيرة ويتولون تدبير الجيش . ولما غزا قيصر هذه الجزيرة قابلوه بالجيوش والبسالة ذبا عن الوطن ، فنقم عليهم ذلك بعض ولاة الرومانيين فاستأصل شأفتهم . وفي هذه المدينة أسواق ظريفة وحوانيت بهيجة ، وفيها تعرفت بالفاضل الكريم السيد عبد الله أفندي الإدلبي قنصل الدولة العلية ، ولم يكن لتعارفنا من سبب سوى حمرة رأسينا ، فإنه أول ما رأى طربوشي أقبل إليّ متبسما باشا ، ودعاني إلى منزله من دون أن أبرز إليه كتاب وصاة على عادة القوم ، ولم يكتف بهذا حتى أخذ عنوان مقامي في كمبريج قصد أن يبعث إليّ بهدية من طرف المدينة ، وقد فعل جزاه الله خيرا . وله مساع عند الدولة المشار إليها محمودة وذكر حسن عند أهل البلدة ،

--> ( 246 ) البريغانتين ( ط . أ )